English
موقع المجلة
اتصل بنا
الاسم
البريد
الرسالة
ارسال
تصفّح في العدد المزدوج الأول و الثاني للعام 2020
الأنساق المعجميَّة في صفوة الصّفات في شرح دعاء السِّمات للشيخ الكفعمي (ت905هـ) قراءة في ضوء نحو النَّصّ

أ.م.د. عِماد جبَّار كاظِم داود

جامعة واسط ـ كُلِّيَّة التَّربية للعلوم الإنسانيَّة



التّوافق والتَّخالف المعجميّ في النَّص ـ نظام الحقيقة والمجاز:

يوافق الاستعمال الحقيقيّ للألفاظ مبدأها الطبيعيّ في الوجود، وإذا كانت علاقة التَّضاد إشكاليَّة مثَّلت سبكاً على الرّغم من التَّباين والمخالفة، حتَّى تصل إلى علاقات "التَّضاد الحادّ، فإنَّ المجاز علاقة، في ظنّي، أيسر تفسيراً من التَّضاد، لما فيه من نحو الحقيقة السَّابقة عليه، قبل التَّحويل مع القرائن العقليَّة الهاديَّة واللُّغويَّة الوضعيَّة الصَّارفة، الدّاعمة للتكوين، وهنا يأتي السُّؤال إذا كانت الحقيقة تمثّل أعلى مطلباً من التَّماسك والتَّوافق المعجميّ، أ فيكون ذلك في علاقة المجاز؟!، قد يُقال: إنَّ المجاز مجاله الإبداع الفنّي، والجمال الأسلوبيّ في الاستعمال والتَّوظيف، وتجلٍ لقدرة المتكلِّم على تصوير العلاقة بين الأشياء ومجالاتها من نحو الطبيعة إلى المعنى والخيال والإشارة والرَّمز.

إذا كان الأمر كذلك، فهو إذن على وثاقة من مجالين: الأوَّل ما قبل التَّحويل، وهو الاستعمال الحقيقيّ، وهو مستند أصوليّ للتفسير والتَّحويل، والثاني ما بعد التَّكوين، وربط العلاقات مع الأمارات والملازمة، وهو الاستعمال المجازيّ، حتَّى كأنَّ الأخير يحوز على ركني الحقيقة في التَّوافق، والمجاز في الجماليَّات الأسلوبيَّة، وهو ما يحدث السَّبك المعجميّ النَّصِّيّ، هذا إذا كان الاعتماد على مجال معيَّن من العلاقات البعديَّة مع ملحظ القبليَّة والملازمة، فكيف إذا دخلت بعض من مبادئ النَّظريَّة الدَّلاليَّة كالمجالات والحقول، أو تحليل المكوَّنات وتشخيصها.

ولقد نجد من تصرُّف الشَّيخ الكفعمي في إدراك علاقات الحقيقة والمجاز علاقات نصِّيَّة سابقة على التَّوصيف والتَّوظيف؛ لأنَّه أدرك أنَّه تحصيل لفكر قد اختبر انتاجه بالمخالفة المعجميَّة والمفارقة، ثُمَّ وُظِّفَت متعّيناته في السِّياق النَّصِّيّ، فمن ذلك قوله: في الفقرتين السابقتين من "قوله: (الَّذي إِذَا دُعِيْتَ بِهِ عَلَى مَغَالِقِ أَبْوابِ السَّماءِ لِلْفَتحِ بِالرَّحْمَةِ اَنْفَتَحَتْ، وَإِذَا دُعِيْتَ بِهِ عَلَى مَضَائِقِ أَبْوابِ الأَرْضِ لِلْفَرَجِ بِالرَّحْمَةِ اَنْفَرَجَتْ)"، قال: "اعلم أنَّ فتح المغالق، هنا، مجاز، لا أنَّ للسماء مفاتيح ومغالق، وإنَّما أريد أن بهذا الاسم يستفتح الإغلاق، ويستمنح الأعلاق، وهو السَّبيل الموصل إلى المسؤول، والدَّليل الدّال على المأمول. وقوله: "منها المجاز: وهو الكلمة المستعملة في غير موضوعها الحقيقيّ كذكر الأبواب والمغالق في الفقرتين، وقد مرّ تفسيره".

أقول: أ كان في خلد الشَّيخ الكفعمي ممَّا لا يتوافق على نحو الطبيعة من معجميَّة كلّ من "الباب"، و"السَّماء"؟!، وأنَّ هذه العلاقة علاقة فيها من المجاز ما يصوّر "السّماء" كـ"بيت"، له ما يلازمه ويستلزمه للدخول إليه، وهو "الباب"، بعلاقة ثقافيَّة، أو أنَّ كلاً منهما: "السَّماء"، و"الباب"، بنظريَّة المجالات الدَّلاليَّة مخالف للآخر، فحقل "السَّماء" ليس كمجال "البيت"، وكذا حين تحكيم نظريَّة تحليل المكوِّنات، فـ"السَّماء" = غيب مدرك – مادة – ملموس - مكان، و"الباب" = + مادة + محسوس ملموس + مكان. فالباب ليس للسماء، إنَّما للبيت، وهو يرتبط به ارتباط التزام، دون السّماء، إلا على نحو التَّشبيه، والمجاز.

لقد أعطت علاقة المجاز ـ بإدراك الشَّيخ الكفعمي ـ من كونِ مخالفةٍ إلى كون موافقةٍ بالتَّشبيه مجازاً، لأنَّ الأخير بضمنه مفهوماً، أعطت للنَّصّ، فضلاً عن السَّبك المعجميّ، ما يوافق الجمال الأسلوبيّ والتَّصرُّف الإبداعيّ في النَّصّ.

ومن ذلك أيضاً ما نجده ، وقد وظَّف معايير الموافقة والمخالفة لتفسير "قوله: (وَبِرَحْمَتِكَ الَّتي مَنَنْتَ بِها عَلى جَميعِ خَلْقِكَ)". قال: الرَّحمة: قال الشَّهيد "قدِّس سره" في قواعده: هي لغة رِقَّة القلب، وانعطاف يقتضي التَّفضل والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها. وقال السَّيِّد المرتضى "قدس سرّه وصفى": ليست الرحمة عبارة عن رقّة القلب والشَّفقة، وإنَّما هي عبار عن الفضل والإنعام وضروب الإحسان. فعلى هذا يكون اطلاق لفظ الرحمة عليه "تعالى" حقيقة، وعلى الأوَّل مجازاً.

لا ريبَ في أنَّ إدراك الجامع من التَّفضل والإحسان في معنى الرَّحمة بين القولين، مع انزياح رقّة القلب، ودفعها هو الفصل في تقرير حقيقة الاستعمال في النَّصّ من المجاز، إنَّه إدراك لما في نحو العلاقة بين الرحمة وصاحبها، من خالق، ومخلوق. ولكلّ منهما ما ليس للآخر من الاختصاص، "تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً".

لقد مزجت الدَّلالات النَّصِّيَّة ثمَّة بنسيج من العلاقات العقديَّة ـ علاقات ثقافيَّة، لولاها ما كان لتفسير النَّصّ من مدخل في توجيه الحقيقة من المجاز.